خارج الحدود

قمع الصحفيين في الجزائر – قضية إحسان القاضي مثالا

حسب دنيا صداقي عن راديو ألمانيا فإن السلطات الجزائرية تستمر في اعتقال الصحفي المستقل إحسان القاضي، وإغلاق إذاعة وموقع إلكتروني يديرهما. صحفيون يرون في حالة القاضي مثالا على القمع الذي تمارسه السلطات ضد الأصوات الناقدة والمطالبة بإصلاحات شاملة في البلاد.
دعت منظمة العفو الدولية السلطات الجزائرية إلى الإفراج « الفوري » عن الصحافي إحسان القاضي، مستنكرة سجنه « غير المبرر » منذ نهاية ديسمبر. وأضافت منظمة العفو الدولية أنه « يجب الإفراج فورا عن إحسان القاضي المتهم بارتكاب جرائم وهمية تتعلق بأمن الدولة، كما يجب السماح بإعادة فتح منصتيه الإعلاميتين راديو إم ومغرب إيمرجان ».
ودعا الأسبوع الماضي 16 صحافيا من دول مختلفة، من بينهم الحائز على جائزة نوبل للسلام دميتري موراتوف، لإطلاق سراحه ورفع العقبات « غير المقبولة » التي تستهدف وسيلتي الإعلام اللتين كان يديرهما. واحتلت الجزائر المرتبة 134 (من بين 180 دولة) في ترتيب منظمة « مراسلون بلا حدود » الخاص بحرية الصحافة لعام 2022.
اعتقال إحسان القاضي جاء في الأيام الأخيرة من عام 2022، حين حضرت قوة أمنية ليلا إلى منزله الواقع على بعد 50 كليومترا شرقي العاصمة الجزائر. ومن حينها يقبع القاضي، مدير إذاعة « راديو ام » وموقع « مغرب إيمرجان » الإخباري، في السجن، بتهم تلقي تبرعات غير مصرح بها، وتهديد أمن البلاد.
ابنته، تين القاضي، تتذكر لحظة اعتقاله والصدمة العميقة التي خلفها الاعتقال، كما تقول ابنة الـ28 عاما لشبكة القناة الألمانية الأولى (ا.ر.د): « لم يفاجئنا اعتقال أبي، لأنه يتعرض منذ ثلاث سنوات لمضايقات السلطات، واعتقل أكثر من مرة. ومنذ حوالي عامين ليس لديه جواز سفر. مقرات الشرطة والمديرية العامة للأمن الداخلي تعرفه جيدا، حيث اعتقل واستجوب فيها أكثر من مرة بشكل تعسفي. حياته اليومية كصحفي كانت عبارة عن تهديدات ومضايقات. ولذلك كنا نتوقع اعتقاله في أي لحظة ».
يدير إحسان القاضي وسيلتي إعلام إلكترونيتين، هما « راديو إم » والموقع الإخباري « مغرب إيمرجان ». وكلاهما يعتبران من وسائل الإعلام المستقلة القليلة التي مازالت موجودة في الجزائر.
إسكات أي نقد
منظمة مراسلون بلا حدود التي تطالب بالإفراج عن القاضي، تصفه بأنه مراقب ناقد للسياسة الجزائرية. وقبل يوم واحد من اعتقاله تحدث القاضي عن عهدة جديدة محتملة للرئيس المثير للجدل عبد المجيد تبون. كما شكك القاضي في قدرة الحكومة على محاربة الفساد.
ولكن هذه المرة لم يتوقف الأمر عند حد اعتقال الصحفي القاضي، وإنما أغلقت مكاتب المؤسستين الإعلاميتين اللتين يديرهما، كما تتحدث ياسمينة باير، التي تعمل معه: « لم نكن نتوقع إغلاق مكاتبنا. وخاصة بهذه الطريقة التعسفية وغير القانونية. لقد صادروا معداتنا أيضا. ليس لدينا إمكانية لاستخدام استوديوهاتنا ولا مقرنا التحريري، ومع ذلك نواصل الإنتاج ».
وتؤكد باير أن إغلاق « راديو إم » والموقع الإخباري « مغرب إيمرجان » لم ينل « من عزيمتنا، وإنما زاد من نشاطنا من أجل حرية الصحافة. وأنا شخصيا قلقة على مستقبل الصحافة، لأن عدد الصحافيين الذين يناضلون من أجل حرية المعلومات وحرية الرأي، يعد على الأصابع ».
ومنذ بدء الحراك في الجزائر عانى الصحفيون من قمع متزايد من جانب السلطات، تقول ياسمينة باير. الناس المشاركون في الحراك يتظاهرون من أجل حرية الرأي وضد تعسف الدولة. ومن أجل إصلاحات جذرية في الحكومة ومحاربة الفساد والمحسوبيات.
وقد حقق الحراك نجاحا أوليا، عندما تنحى الرئيس عبد العزيز بوتفليقة عن الحكم. ولكن النظام السياسي لم يتغير. فالرئيس الحالي عبد المجيد تبون، والذي قاطع الملايين الانتخابات الرئاسية التي جاءت به، لايزال يمسك مع قيادات الجيش بمقاليد الأمور في البلاد.
بل إن الأوضاع العامة في تراجع مستمر، كما يرى سعيد صالحي، نائب رئيس الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان، والذي اضطر للجوء السياسي في بلجيكا، وخاصة في مجال الصحافة. ويقول صالحي: « منذ بدايات التحرك الشعبي السلمي من أجل الديمقراطية، والذي يعرف باسم الحراك، لاحقت السلطات كل الأصوات الحرة وكل وسائل الإعلام الحرة. كلها. من أجل إسكات صوت الحراك في النهاية. لقد رأينا كيف جرى اعتقال عدة صحفيين، ومحاكمتهم بقضايا جنائية، ومنعهم من العمل والنشر. أغلق الكثير من الصحف ».
أمل ضعيف في التغيير
هذه الملاحقة التعسفية المتشددة للصحافة والإعلام في الجزائر تؤثر كثيرا، وفق صالحي: « الصحافة تموت حقا. والمواقع الإلكترونية التي تعكس صوت الحراك، وصوت المعارضة، تتعرض للقمع والإغلاق من خلال إجراءات قضائية ».
وبسبب هذا القمع المتزايد، صنفت منظمة « صحفيون بلا حدود » الجزائر في المركز 134 من أصل 180 دولة، على مقياس حرية الصحافة. الصحفيون المستقلون في الجزائر يعانون بشكل كبير، يعتقلون تعسفيا، وتقمعهم السلطات، ويلاحقون قضائيا.
وخلال الفترة الماضية حجبت مواقع إلكترونية، وتم سحب الترخيص من قنوات خاصة، عقب بث أفلام وثائقية ناقدة. لذلك تتجنب وسائل الإعلام النقد، لأن الدولة تسيطر على سوق الإعلانات.
ولهذا تعتبر الجزائر بمثابة « سجن في الهواء الطلق » بالنسبة للصحفيين ومنتقدي النظام »، برأي الصحفي بوبكر خالد، والذي لا يرى الكثير من الأمل في تحسن الوضع: « نأمل أن يخرج إحسان القاضي من السجن. ولكن من خلال مراقبة الوضع العام في البلد، واستمرار الحملة القمعية ضد الصحفيين ووسائل الإعلام المستقلة، فإن هذا يدفعنا للتشاؤم. ليس لدي أي أمل ». تشاؤم خالد سببه هو أنه يتوقع استمرار القمع لفترة طويلة، كما يقول.
منظمة « صحفيون بلا حدود » وجهت خطابا إلى مفوضة الأمم المتحدة لحرية الرأي، دعت فيه إلى الضغط على الحكومة الجزائرية من أجل إطلاق سراح إحسان القاضي. وناشطون من أجل حقوق الإنسان ينتقدون الصمت الدولي وعدم الضغط بشكل كافٍ على النظام الجزائري، متهمين الدول الأوروبية خصوصا. فهم يرون أنها تحجم عن انتقاد الجزائر لأنها دولة غنية بالنفط والغاز ، وهذا أمر هام في زمن الحرب الروسية ضد أوكرانيا ، وما سببته من أزمة طاقة عالمية، الأمر الذي جعل الجزائر شريكا هاما في مجال إمدادات الطاقة. ولكن الخاسر هو حرية الرأي في الجزائر.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق